محمد بن جرير الطبري

61

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري لأَيا ما أبينها * والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد والأَواري معلوم أنها ليست من عداد أحد في شيء . فكذلك عنده استثنى غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ من الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وإن لم يكونوا من معانيهم في الدين في شيء . وأما نحويو الكوفيين فأنكروا هذا التأويل واستخطئوه ، وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة لكان خطأ أن يقال : وَلَا الضَّالِّينَ لأَن " لا " نفي وجحد ، ولا يعطف بجحد إلا على جحد ؛ وقالوا : لم نجد في شيء من كلام العرب استثناء يعطف عليه بجحد ، وإنما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء ، وبالجحد على الجحد فيقولون في الاستثناء : قام القوم إلا أخاك وإلا أباك ؛ وفي الجحد : ما قام أخوك ، ولا أبوك ؛ وأما قام القوم إلا أباك ولا أخاك ، فلم نجده في كلام العرب ؛ قالوا : فلما كان ذلك معدوما في كلام العرب وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزوله ، علمنا إذ كان قوله : وَلَا الضَّالِّينَ معطوفا على قوله : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أن " غير " بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء ، وأن تأويل ، من وجهها إلى الاستثناء خطأ . فهذه أوجه تأويل غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ . باختلاف أوجه إعراب ذلك . وإنما اعترضنا بما اعترضنا في ذلك من بيان وجوه إعرابه ، وإن كان قصدنا في هذا الكتاب الكشف عن تأويل آي القرآن ، لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله ، فاضطرتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه ، لتنكشف لطالب تأويله وجوه تأويله على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته . والصواب من القول في تأويله وقراءته عندنا القول الأَول ، وهو قراءة : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بخفض الراء من " غير " بتأويل أنها صفة ل الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ونعت لهم ؛ لما قد قدمنا من البيان إن شئت ، وإن شئت فبتأويل تكرار وصراط " كل ذلك صواب حسن . فإن قال لنا قائل : فمن هؤلاء المغضوب عليهم الذين أمرنا الله جل ثناؤه بمسألته أن لا يجعلنا منهم ؟ قيل : هم الذين وصفهم الله جل ثناؤه في تنزيله فقال : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ فأعلمنا جل ذكره بمنه ما أحل بهم من عقوبته بمعصيتهم إياه ، ثم علمنا ، منة منه علينا ، وجه السبيل إلى النجاة ، من أن يحل بنا مثل الذي حل بهم من المثلات ، ورأفة منه بنا . فإن قال : وما الدليل على أنهم أولاء الذين وصفهم الله وذكر نبأهم في تنزيله على ما وصفت ؟ قيل : حدثني أحمد بن الوليد الرملي ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المغضوب عليهم : اليهود . وحدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة عن سماك بن حرب ، قال : سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن المغضوب عليهم : اليهود " . وحدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا محمد بن مصعب ، عن حماد بن سلمة ، عن سماك بن حرب ، عن مري بن قطري ، عن عدي بن حاتم قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله جل وعز : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ قال : " هم اليهود " . وحدثنا حميد بن مسعدة الشامي ، قال : حدثنا بشر بن المفضل ، قال : حدثنا الجريري عن عبد الله بن شقيق : أن رجلا أتى